بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ شَرْحِ عَجَائِبِ الْقَلْبِ وَهُوَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنْ رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَتَحَيَّرُ دُونَ إِدْرَاكِ جَلَالِهِ الْقُلُوبُ وَالْخَوَاطِرُ،
وَتَدْهَشُ فِي مَبَادِئِ إِشْرَاقِ أَنْوَارِهِ الْأَحْدَاقُ وَالنَّوَاظِرُ،
الْمُطَّلِعِ عَلَى خَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ،
الْعَالِمِ بِمَكْنُونَاتِ الضَّمَائِرِ،
الْمُسْتَغْنَى فِي تَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ عَنِ الْمُشَاوِرِ وَالْمُوَازِرِ
مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَغَفَّارِ الذُّنُوب
وَسَتَّارِ الْعُيُوبِ، وَمُفَرِّجِ الْكُرُوبِ
وَالصَّلَاةُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَجَامِعِ شَمْلِ الدِّينِ
وَقَاطِعِ دَابِرِ الْمُلْحِدِينَ.
وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
أَمَّا بَعْدُ: فَشَرَفُ الْإِنْسَانِ وَفَضِيلَتُهُ الَّتِي فَاقَ بِهَا جُمْلَةَ مِنْ أَصْنَافِ الْخَلْقِ بِاسْتِعْدَادِهِ لِمَعْرِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ،
الَّتِي هِيَ فِي الدُّنْيَا جَمَالُهُ وَكَمَالُهُ وَفَخْرُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ عُدَّتُهُ وَذُخْرُهُ،
وَإِنَّمَا اسْتَعَدَّ لِلْمَعْرِفَةِ بِقَلْبِهِ لَا بِجَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ؛
فَالْقَلْبُ هُوَ الْعَالِمُ بِاللهِ. وَهُوَ الْمُتَقَرِّبُ إِلَى اللهِ؛
وَهُوَ الْعَامِلُ لِلهِ، وَهُوَ السَّاعِي إِلَى اللهِ،
وَهُوَ الْمُكَاشَفُ بِمَا عِنْدَ اللهِ وَلَدَيْهِ،
وَإِنَّمَا الْجَوَارِحُ أَتْبَاعٌ وَخَدَمٌ وَآلَاتٌ، يَسْتَخْدِمُهَا الْقَلْبُ وَيَسْتَعْمِلُهَا اسْتِعْمَالَ الْمَالِكِ لِلْعَبْدِ
وَاسْتِخْدَامَ الرَّاعِي لِلرَّعِيَّةِ وَالصَّانِعِ لِلْآلَةِ؛
فَالْقَلْبُ هُوَ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللهِ إِذَا سَلِمَ مِنْ غَيْرِ اللهِ
وَهُوَ الْمَحْجُوبُ عَنِ اللهِ إِذَا صَارَ مُسْتَغْرِقًا بِغَيْرِ اللهِ،
وَهُوَ الْمُطَالَبُ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ وَهُوَ الْمُعَاتَبُ
وَهُوَ الَّذِي يَسْعَدُ بِالْقُرْبِ مِنَ اللهِ فَيُفْلِحُ إِذَا زَكَّاهُ
وَهُوَ الَّذِي يَخِيبُ وَيَشْقَى إِذَا دَنَّسَهُ وَدَسَّاهُ؛
وَهُوَ الْمُطِيعُ بِالْحَقِيقَةِ لِلهِ تَعَالَى،
وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْتَشِرُ عَلَى الْجَوَارِحِ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَنْوَارُهُ،
وَهُوَ الْعَاصِي الْمُتَمَرِّدُ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا السَّارِي إِلَى الْأَعْضَاءِ مِنَ الْفَوَاحِشِ آثَارُهُ؛
وَبِإِظْلَامِهِ وَاسْتِنَارَتِهِ تَظْهَرُ مَحَاسِنُ الظَّاهِرِ وَمَسَاوِيهِ، إِذْ كُلُّ إِنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ،
وَهُوَ الَّذِي إِذَا عَرَفَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ عَرَفَ نَفْسَهُ
وَإِذَا عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ
وَهُوَ الَّذِي إِذَا جَهِلَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ جَهِلَ نَفْسَهُ
وَإِذَا جَهِلَ نَفْسَهُ فَقَدْ جَهِلَ رَبَّهُ
وَمَنْ جَهِلَ قَلْبَهُ فَهُوَ بِغَيْرِهِ أَجْهَلُ
إِذْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ جَاهِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْفُسِهِمْ
فَإِنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
وَحِيلُولَتُهُ بِأَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ
وَكَيْفِيَّةِ تَقَلُّبِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
وَأَنَّهُ كَيْفَ يَهْوِي مَرَّةً إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ
وَيَنْخَفِضُ إِلَى أُفُقِ الشَّيَاطِينِ
وَكَيْفَ يَرْتَفِعُ أُخْرَى إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ
وَيَرْتَقِي إِلَى عَالَمِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبَهُ لِيُرَاقِبَهُ وَيُرَاعِيَهُ
وَيَتَرَصَّدَ لِمَا يَلُوحُ مِنْ خَزَائِنِ الْمَلَكُوتِ عَلَيْهِ وَفِيهِ
فَهُوَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
فَمَعْرِفَةُ الْقَلْبِ وَحَقِيقَةُ أَوْصَافِهِ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُ طَرِيقِ السَّالِكِينَ
2
وَإِذْ فَرَغْنَا مِنَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
مِنَ النَّظَرِ فِيمَا يَجْرِي عَلَى الْجَوَارِحِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ-- وَهُوَ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ
وَوَعَدْنَا أَنْ نَشْرَحَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي مَا يَجْرِي عَلَى الْقَلْبِ
مِنَ الصِّفَاتِ الْمُهْلِكَاتِ وَالْمُنْجِيَاتِ --وَهُوَ الْعِلْمُ الْبَاطِنُ
فَلَا بُدَّ أَنْ نُقَدِّمَ عَلَيْهِ كِتَابَيْنِ
كِتَابًا فِي شَرْحِ عَجَائِبِ صِفَاتِ الْقَلْبِ وَأَخْلَاقِهِ
وَكِتَابًا فِي كَيْفِيَّةِ رِيَاضَةِ الْقَلْبِ وَتَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِ
ثُمَّ نَنْدَفِعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَفْصِيلِ الْمُهْلِكَاتِ وَالْمُنْجِيَاتِ
فَلْنَذْكُرْ الْآنَ مِنْ شَرْحِ عَجَائِبِ الْقَلْبِ بِطَرِيقِ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ مَا يُقَرِّبُ مِنَ الْأَفْهَامِ
فَإِنَّ التَّصْرِيحَ بِعَجَائِبِهِ وَأَسْرَارِهِ الدَّاخِلَةِ فِي جُمْلَةٍ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ مِمَّا يَكِلُّ عَنْ دَرْكِهِ أَكْثَرُ الْأَفْهامِ
بَيَانُ مَعْنَى النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَمَا هُوَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَسَامِي
الْلَّفْظُ الْأَوَّلُ لَفْظُ الْقَلْبِ:
وَهُوَ يُطْلَقُ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا اللَّحْمُ الصُّنُوبَرِيُّ الشَّكْلِ الْمَوْدَعُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ
وَهُوَ لَحْمٌ مَخْصُوصٌ وَفِي بَاطِنِهِ تَجْوِيفٌ وَفِي ذَلِكَ التَّجْوِيفِ دَمٌ أَسْوَدُ
هُوَ مَنْبَعُ الرُّوحِ وَمَعْدِنُهُ وَلَسْنَا نَقْصِدُ الْآنَ شَرْحَ شَكْلِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ
وَهَذَا الْقَلْبُ مَوْجُودٌ لِلْبَهَائِمِ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ لِلْمَيِّتِ
وَنَحْنُ إِذَا أَطْلَقْنَا لَفْظَ الْقَلْبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَمْ نَعْنِ بِهِ ذَلِكَ
فَإِنَّهُ قِطْعَةٌ لَحْمٌ لَا قَدْرَ لَهُ
وَهُوَ مِنْ عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ
إِذْ تُدْرِكُهُ الْبَهَائِمُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ فَضْلًا عَنِ الْآدَمِيِّينَ
وَالْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ لَطِيفَةٌ رَبَّانِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ لَهَا بِهَذَا الْقَلْبِ الْجِسْمَانِيِّ تَعَلُّقٌ
وَتِلْكَ اللَّطِيفَةُ هِيَ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ
وَهُوَ الْمُدْرِكُ الْعَالِمُ الْعَارِفُ مِنَ الْإِنْسَانِ
وَهُوَ الْمُخَاطَبُ وَالْمُعَاقَبُ وَالْمُعَاتَبُ وَالْمُطَالَبُ
وَلَهَا عَلَاقَةٌ مَعَ الْقَلْبِ الْجِسْمَانِيِّ
وَقَدْ تَحَيَّرَتْ عُقُولُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ فِي إِدْرَاكِ وَجْهِ عَلَاقَتِهِ
فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ يُضَاهِي تَعَلُّقَ الْأَعْرَاضِ بِالْأَجْسَامِ وَالْأَوْصَافِ بِالْمَوْصُوفَاتِ
أَوْ تَعَلُّقَ الْمُسْتَعْمِلِ لِلْآلَةِ بِالْآلَةِ
أَوْ تَعَلُّقَ الْمُتَمَكِّنِ بِالْمَكَانِ
وَشَرْحُ ذَلِكَ مِمَّا نَتَوَقَّاهُ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ
وَلَيْسَ غَرَضُنَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا عُلُومَ الْمُعَامَلَةِ
وَالثَّانِي أَنَّ تَحْقِيقَهُ يَسْتَدْعِي إِفْشَاءَ سِرِّ الرُّوحِ
وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(١)
فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّا
إِذَا أَطْلَقْنَا لَفْظَ الْقَلْبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ
أَرَدْنَا بِهِ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ وَغَرَضُنَا ذِكْرُ أَوْصَافِهَا وَأَحْوَالِهَا
لَا ذِكْرُ حَقِيقَتِهَا فِي ذَاتِهَا وَعِلْمُ الْمُعَامَلَةِ يَفْتَقِرُ إِلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا
وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ حَقِيقَتِهَا اللَّفْظِ
الثَّانِي الرُّوحُ وَهُوَ أَيْضًا يُطْلَقُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ غَرَضِنَا لِمَعْنَيَيْنِ
أَحَدُهُمَا جِسْمٌ لَطِيفٌ مَنْبَعُهُ تَجْوِيفُ الْقَلْبِ الْجِسْمَانِيِّ فَيَنْشَرُ بِوَاسِطَةِ الْعُرُوقِ الضَّوَارِبِ إِلَى سَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ
وَجَرَيَانُهُ فِي الْبَدَنِ وَفَيْضَانُ أَنْوَارِ الْحَيَاةِ وَالْحِسِّ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالشَّمِّ مِنْهَا عَلَى أَعْضَائِهَا يُضَاهِي فَيْضَانَ النُّورِ مِنَ السِّرَاجِ الَّذِي يُدَارُ فِي زَوَايَا الْبَيْتِ
فَإِنَّهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا وَيَسْتَنِيرُ بِهِ وَالْحَيَاةُ مِثَالُهَا النُّورُ الْحَاصِلُ فِي الْحِيطَانِ وَالرُّوحُ مِثَالُهَا السِّرَاجُ
وَسَرَيَانُ الرُّوحِ وَحَرَكَتُهُ فِي الْبَاطِنِ مِثَالٌ حَرَكَة السِّرَاج فِي جَوَانِب الْبَيْت بِتَحْرِيْك مُحَرِّكَه
(1) حَدِيثُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الرُّوحِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ وَفِيهِ فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ الْحَدِيثُ وَقَدْ تَقَدَّمَ
3
وَالْأَطِبَّاءُ إِذَا أَطْلَقُوا لَفْظَ الرُّوحِ أَرَادُوا بِهِ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ بُخَارٌ لَطِيفٌ أَنْضَجَتْهُ حَرَارَةُ الْقَلْبِ وَلَيْسَ شَرْحُهُ مِنْ غَرَضِنَا إِذْ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ غَرَضُ الْأَطِبَّاءِ الَّذِينَ يُعَالِجُونَ الْأَبْدَانَ
فَأَمَّا غَرَضُ أَطِبَّاءِ الدِّينِ الْمُعَالِجِينَ لِلْقَلْبِ حَتَّى يَنْسَاقَ إِلَى جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ هَذِهِ الرُّوحِ أَصْلًا
الْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ اللَّطِيفَةُ الْعَالِمَةُ الْمُدْرِكَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِي أَحَدِ مَعَانِي الْقَلْبِ
وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وَهُوَ أَمْرٌ عَجِيبٌ رَبَّانِيٌّ تَعْجَزُ أَكْثَرُ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ
الْلَّفْظُ الثَّالِثُ النَّفْسُ وَهُوَ أَيْضًا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعَانٍ وَيَتَعَلَّقُ بِغَرَضِنَا مِنْهُ مَعْنَيَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْجَامِعُ لِقُوَّةِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ فِي الْإِنْسَانِ عَلَى مَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ
وَهَذَا الْاِسْتِعْمَالُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ التَّصَوُّفِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالنَّفْسِ الْأَصْلَ الْجَامِعَ لِلصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ مِنَ الْإِنْسَانِ
فَيَقُولُونَ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَكَسْرِهَا وَإِلَيْهِ الإشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ
(1)
المَعْنَى الثَّانِي هِيَ اللَّطِيفَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاها الَّتِي هِيَ الإِنْسَانُ بِالْحَقِيقَةِ وَهِي نَفْسُ الإِنْسَانِ وَذَاتُهُ
وَلٰكِنَّهَا تُوصفُ بِأَوْصَافٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ اخْتِلَالِ أَحْوَالِهَا فَإِذَا سَكَنَتْ تَحْتَ الأَمْرِ وَزَالَهَا الاضطرابُ بِسَبَبِ مُعَارِضَةِ الشَّهَوَات سُمِّيَت النَّفْسُ الْمُطْمئِنَّة
قَال اللَّـه تَعَالَى فِي مِثَالِهَا: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمئِنَّة ارجعي إِلَى رَبِّك راضيةً مرضيةً
وَالنَّفْسُ بِالْمَعنى الأوَّل لا يَتَمَيَّز رُجوعها إِلَى اللَّـهِ تَعَالَى فإِنَّهَا مُبَعَدٌ عَنْ اللَّـهِ وَهِي مِن حِزْب الشَّيْطَن
وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ سُكُونُهَا وَلَكِنَّهَا صَارَتْ مُدَافِعَةً لِلنَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَمُعْتَرِضَةً عَلَيْهَا سُمِّيَتْ النَّفْسَ اللَّوَّامَةَ
لِأَنَّهَا تَلُومُ صَاحِبَهَا عِنْدَ تَقْصِيرِهِ فِي عِبَادَةِ مَوْلَاهُ
قَالَ اللَّـهُ تَعَالَى: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
وَإِنْ تَرَكَتِ الِاعْتِرَاضَ وَأَذْعَنَتْ وَأَطَاعَتْ لَمُقْتَضَى الشَّهَوَاتِ وَدَوَاعِي الشَّيْطَانِ سُمِّيَتْ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ
قَالَ اللَّـهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَوِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ هِيَ النَّفْسُ بِالْمَعْنَى الأوَّل
فَإِذًا النَّفْسُ بِالْمَعْنَى الأوَّل مَمْذُومَةٌ غَاياتِ الذّمّ
بِالْمَعْنَى الثَّانِي مَحْمُودَةٌ لِأَنَّهَا نَفْسُ الْإِنْسَانِ أَيْ ذَاتُهُ وَحَقِيقَتُهُ الْعَالِمَةُ بِاللهِ تَعَالَى وَسَائِرِ الْمَعْلُومَاتِ
الْلَّفْظُ الرَّابِعُ الْعَقْلُ
وَهُوَ أَيْضًا مُشْتَرَكٌ لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ
وَالْمُتَعَلِّقُ بِغَرَضِنَا مِنْ جُمْلَتِهَا مَعْنَيَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ
فَيَكُونُ عِبَارَةً عَنْ صِفَةِ الْعِلْمِ الَّذِي مَحَلُّهُ الْقَلْبُ
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُدْرِكُ لِلْعُلُومِ
فَيَكُونُ هُوَ الْقَلْبُ أَعْنِي تِلْكَ اللَّطِيفَةَ
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فَلَهُ فِي نَفْسِهِ وُجُودٌ هُوَ أَصْلٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ
وَالْعِلْمُ صِفَةٌ حَالَةٌ فِيهِ وَالصِّفَةُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ
وَالْعَقْلُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ صِفَةُ الْعَالِمِ
وَقَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَحَلُّ الْإدراكِ أَعني المُدرك
وَهُوَ الْمَرادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ
(2)
فَإِنَّ الْعِلْمَ عَرَضٌ لَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ أَوَّل مخلوقٍ
بَل لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ مخلوقًا قَبْلَهُ أَو مَعَه
وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخِطَابُ مَعَهُ وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ تَعَالَى
أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ
الْحَدِيثُ فَإِذَنْ قَدْ انْكَشَفَ لَكَ أَنَّ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَوْجُودَةٌ
وَهِيَ الْقَلْبُ الْجِسْمَانِيُّ وَالرُّوحُ الْجِسْمَانِيُّ وَالنَّفْسُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْعُلُومُ
فَهَذَا أَرْبَعَةٌ مَعَانٍ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الأَلْفَاظُ الْأَرْبَعَةُ
وَمَعْنًى خَامِسٌ وَهِيَ اللَّطِيفَةُ الْعَالِمَةُ الْمُدْرِكَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ
وَالْأَلْفَاظُ الْأَرْبَعَةُ بِجُمْلَتِهَا تَتَوَارَدُ عَلَيْهَا فَالْمَعَانِي خَمْسَةٌ
وَالْأَلْفَاظُ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّ لَفْظٍ أُطْلِقَ لِمَعْنَيَيْنِ
(1) حَدِيثُ أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ أَحَدُ الْوَضَّاعِينَ
(2) حَدِيثُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ وَقَالَ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ
4
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْهِمُ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ
وَتَوَارُدُهَا فَتَرَاهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْخَوَاطِرِ
وَيَقُولُونَ هَذَا خَاطِرُ الْعَقْلِ وَهَذَا خَاطِرُ الرُّوحِ وَهَذَا خَاطِرُ الْقَلْبِ وَهَذَا خَاطِرُ النَّفْسِ
وَلَيْسَ يَدْرِي النَّاظِرُ اخْتِلَافَ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلِأَجْلِ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ
قَدَّمْنَا شَرْحَ هَذِهِ الْأَسَامِي وَحَيْثُ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
لَفْظُ الْقَلْبِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي يَفْقَهُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَيَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَشْيَاءِ
وَقَدْ يُكَنَّى عَنْهُ بِالْقَلْبِ الَّذِي فِي الصَّدْرِ لِأَنَّ بَيْنَ تِلْكَ اللَّطِيفَةِ وَبَيْنَ جِسْمِ الْقَلْبِ عَلَاقَةً خَاصَّةً
فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِسَائِرِ الْبَدَنِ وَمُسْتَعْمِلَةً لَهُ وَلَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِهِ بِوَاسِطَةِ الْقَلْبِ فَتَعَلُّقُهَا الْأَوَّلُ بِالْقَلْبِ
وَكَأَنَّهُ مَحَلُّهَا وَمَمْلَكَتُهَا وَعَالَمُهَا وَمَطِيَّتُهَا وَلِذَلِكَ شَبَّهَ سَهْلُ التُّسْتَرِيُّ الْقَلْبَ بِالْعَرْشِ وَالصَّدْرَ بِالْكُرْسِيِّ
فَقَالَ الْقَلْبُ هُوَ الْعَرْشُ وَالصَّدْرُ هُوَ الْكُرْسِيُّ
وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ عَرْشُ اللهِ وَكُرْسِيُّهُ
فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ بَلْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَمْلَكَةُ الْإِنْسَانِ وَالْمَجْرَى الْأَوَّلُ لِتَدْبِيرِهِ وَتَصَرُّفِهِ فَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى
وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّشْبِيهُ أَيْضًا إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَشَرْحُ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَلِيقُ بِغَرَضِنَا فَلْنَجَاوِزْهُ
بَيَانٌ جُنُودِ الْقَلْبِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَالِمِ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا وَتَفْصِيلَ عَدَدِهَا إِلَّا هُوَ.
وَنَحْنُ الْآنَ نُشِيرُ إِلَى بَعْضِ جُنُودِ الْقَلْبِ فَهُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِغَرَضِنَا وَلَهُ جُنْدَانِ
جُنْدٌ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَجُنْدٌ لَا يُرَى إِلَّا بِالْبَصَائِرِ
وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ وَالْجُنُودُ فِي حُكْمِ الْخَدَمِ وَالْأَعْوَانِ فَهَذَا مَعْنَى الْجُنْدِ
فَأَمَّا جُنْدُهُ الْمُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ فَهُوَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ وَالْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَاللِّسَانُ وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ
وَالْبَاطِنَةِ فَإِنَّ جَمِيعَهَا خَادِمَةٌ لِلْقَلْبِ وَمُسَخَّرَةٌ لَهُ فَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا وَالْمُرَدِّدُ لَهَا
وَقَدْ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلَى طَاعَتِهِ لَا تَسْتَطِيعُ لَهُ خِلَافًا وَلَا عَلَيْهِ تَمَرُّدًا
فَإِذَا أَمَرَ الْعَيْنَ بِالِانْفِتَاحِ انْفَتَحَتْ وَإِذَا أَمَرَ الرِّجْلَ بِالْحَرَكَةِ تَحَرَّكَتْ وَإِذَا أَمَرَ اللِّسَانَ بِالْكَلَامِ وَجَزَمَ الْحُكْمَ بِهِ تَكَلَّمَ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ
وَتَسْخِيرُ الْأَعْضَاءِ وَالْحَوَاسِّ لِلْقَلْبِ يُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ تَسْخِيرَ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى
فَإِنَّهُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى الطَّاعَةِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ خِلَافًا بَلْ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَالِمَةٌ بِطَاعَتِهَا وَامْتِثَالِهَا
وَالْأَجْفَانُ تُطِيعُ الْقَلْبَ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِانْطِبَاقِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْخِيرِ وَلَا خَبَرَ لَهَا مِنْ نَفْسِهَا وَمِنْ طَاعَتِهَا لِلْقَلْبِ
وَإِنَّمَا افْتَقَرَ الْقَلْبُ إِلَى هَذِهِ الْجُنُودِ مِنْ حَيْثُ افْتِقَارُهُ إِلَى الْمَرْكَبِ وَالزَّادِ لِسَفَرِهِ الَّذِي لِأَجْلِهِ خُلِقَ وَهُوَ السَّفَرُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ
وَقَطْعِ الْمَنَازِلِ إِلَى لِقَائِهِ فَلِأَجْلِهِ خُلِقَتِ الْقُلُوبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وَإِنَّمَا مَرْكَبُهُ الْبَدَنُ وَزَادُهُ الْعِلْمُ وَإِنَّمَا الْأَسْبَابُ الَّتِي تُوصِلُهُ إِلَى الزَّادِ وَتُمَكِّنُهُ مِنَ التَّزَوُّدِ مِنْهُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ
وَلَيْسَ يُمْكِنُ الْعَبْدَ أَنْ يَصِلَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَا لَمْ يَسْكُنِ الْبَدَنَ وَلَمْ يُجَاوِزِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْمَنْزِلَ الْأَدْنَى
لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْمَنْزِلِ الْأَقْصَى فَالدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَهِيَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الْهُدَى
وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دُنْيَا لِأَنَّهَا أَدْنَى الْمَنْزِلَتَيْنِ فَاضْطُرَّ إِلَى أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ
فَالْبَدَنُ مَرْكَبُهُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ إِلَى هَذَا الْعَالَمِ فَافْتَقَرَ إِلَى تَعَهُّدِ الْبَدَنِ وَحِفْظِهِ
وَإِنَّمَا يُحْفَظُ الْبَدَنُ بِأَنْ يُجْلَبَ إِلَيْهِ مَا يُوَافِقُهُ مِنَ الْغِذَاءِ وَغَيْرِهِ
وَأَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مَا يُنَافِيَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ
فَافْتَقَرَ لِأَجْلِ جَلْبِ الْغِذَاءِ إِلَى جُنْدَيْنِ بَاطِنٍ وَهُوَ الشَّهْوَةُ وَظَاهِرٍ وَهُوَ الْيَدُ وَالْأَعْضَاءُ الْجَالِبَةُ لِلْغِذَاءِ
فَخُلِقَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشَّهَوَاتِ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَخُلِقَتِ الْأَعْضَاءُ الَّتِي هِيَ آلَاتُ الشَّهَوَاتِ
فَافْتَقَرَ لِأَجْلِ دَفْعِ الْمَهْلِكَاتِ إِلَى جُنْدَيْنِ بَاطِنٍ وَهُوَ الْغَضَبُ الَّذِي بِهِ يَدْفَعُ الْمَهْلِكَاتِ وَيَنْتَقِمُ مِنَ الْأَعْدَاءِ
5
وَظَاهِرٍ وَهُوَ الْيَدُ وَالرَّجُلُ لِلَّذِينَ بِهُمَا يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ
وَكُلُّ ذَلِكَ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ فَالْجَوَارِحُ مِنَ الْبَدَنِ كَالْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِهَا
ثُمَّ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْغِذَاءِ مَا لَمْ يَعْرِفِ الْغِذَاءَ لَمْ تَنْفَعْهُ شَهْوَةُ الْغِذَاءِ وَإِلْفُهُ
فَافْتَقَرَ لِلْمَعْرِفَةِ إِلَى جُنْدَيْن; بَاطِنٍ وَهُوَ إِدْرَاكُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَاللَّمْسِ وَالذَّوْقِ
وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَالْأَنْفُ وَغَيْرُهَا